في ذكرى المنسيِّ من 23 مارس: المنظمة الثورية
سرت العادة، على امتداد ستة عقود مضت على انتفاض الشبيبة في 23 مارس 1965، ورسخت على التذكير بذلك اليوم المجيد بالتركيز أساسا على أمرين:
-
التنديد بهمجية قمع دولة الاستعمار الجديد للشباب، ومن انضم إليهم من الشغيلة،عاملين وعاطلين، في مواجهة رصاص النظام في الدار البيضاء بخاصة.
-
الإشادة بكفاحية المنتفضين وتضحياتهم، وما تنم عنه من طاقة نضال كامنة، وتنامٍ في إدراك الشعب لحقيقة ثمار الاستقلال الشكلي على الصعيد السياسي وكذا الاقتصادي-الاجتماعي.
لكن ما كان طيلة هذه العقود أقلَّ حظوةً بالاهتمام، ومن ثمة أقلَّ رواجا في ما يُسرد عن 23 مارس، إنما هو الإشكالية العظمى التي طرحتها انتفاضة 23 مارس 1965، إشكالية المنظمة الثورية التي لا غنى لظفر كفاح الشعب المقهور عنها.
فقد كان من دلالات انفجار 23 مارس 1965 قصور القوى اليسارية، المنتسبة إلى قضية التحرر من القهر السياسي والتفاوت الطبقي، عن مهمة قيادة النضال إلى الظفر. ومن ثمة تبدد الكمون النضالي الشبيبي والعمالي على السواء. فمن جهة، كان الحزب الشيوعي المغربي، فضلا عن إضعافه بالمنع، مُعاقا بمنظور مراحلي إصلاحي بالغ العمق، وضَعه في أقصى يمين معسكر اليسار. ومن ناحية أخرى، اتضح قصور اليسار الشعبوي، بقيادة بن بركة والبصري وبوعبيد، عن تجسيد أداة النضال التحرري المطلوبة، متأرجحا بين ميول إلى توافق مع الملكية وأخرى إلى اعتماد أسلوب العمل المسلح النخبوي بشكله الموروث عن مقاومة المستعمر.
وكان أن تغذى إدراك الحاجة إلى بديل سياسي ثوري بتجارب وحركات اشتراكية ثورية عبر العالم، ولَّدت موجة تجذر أجنحة من حركة التحرر القومي بالمنطقة. أفضى هذا إلى ظهور منظمات ماركسية-لينينية داخل اليسار المغربي بشقيه الشعبوي والستاليني. في 1970 تأسست منظمة 23 مارس الثورية متأثرة بوجه خاص باليسار الفلسطيني، في صيغة مغربية مخفَّفة من الماوية.
انهالت على المنظمة الثورية الفتية جائحة قمع، في منشئها الشبيبي، الحركة التلاميذية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب. إذ كانت الحركة العمالية، النقابية أساسا، تحت تحكم بيروقراطية حظيت برعاية الملكية فور الاستقلال الشكلي، مُجِدَّة ومُكِّدَّة في إبعاد نضال شغلية المغرب عن أي تسيُّس ثوري. حالت الخلافات بين قوى اليسار الثوري المنتسب الى الماركسية، لا سيما بصدد مسألة الصحراء، دون توحيدها. كما تعمقت الخلافات بشأن آفاق العمل في ضوء دروس التجربة. فاتخذ معظم منظمة 23 مارس الثورية وجهة إصلاحية، قربته أكثر فأكثر من خط الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (ما دُعي “خط النضال الديمقراطي”)، بينما جنح معظم منظمة إلى الأمام جنوحا يسارويا جليا.
لم تُنه منظمة 23 مارس عقدها الأول حتى اكتمل تحول معظمها تحولا إصلاحيا، مُتوَّجا بميلاد منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، شقيقا أصغر للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية،بخطاب وإرثٍ للمؤثرات الفكرية الأولى، لاسيما الفكر القومي العربي. ولا غرابة أن ينتهي المشوار بجل كوادر التأسيس إلى حظيرة الاتحاد الاشتراكي.ق.ش في صيغته المنحطة الراهنة. وكانت صفحة منظمة 23 مارس الثورية قد طويت نهائيا بانضمام معارضي المنحى الإصلاحي إلى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، بالمآل المعروف لهذا الحزب ذاته.
كانت منظمة 23 مارس الثورية إحدى إجابات الشباب المتجذر ماركسيا على الحاجة إلى أداة الثورة الاشتراكية، في سياق عالمي حيث كان بديهيا أن هكذا ثورة إنما هي الحل الجوهري لمشكلات المغرب: الاستبداد السياسي و الاستغلال الرأسمالي في ظل تبعية.
لم تُحقَّق غايةُ تأسيس منظمة 23 مارس، وهوى معظم كادرها المؤسس من قمم ماركسية إلى حضيض إيديولوجيا التوافق مع الاستبداد سبيلا إلى الديمقراطية. بيد أن الحاجة إلى المنظمة العمالية الماركسية، القائدة لكافة المقهورين- ات إنما تأكدت، وتنامت ملحاحيتها.
تعززت تجربة شغيلة المغرب ومجمل مضطهديه بكفاحات عمالية وشعبية متنوعة، بما شهدت الحركة النقابية العمالية من ديناميات، صاعدة وأخرى هابطة، وبظهور حركات نضال جديدة، أهمها حركة الشباب المعطل، وتأثيرها المحفز على مجمل ساحة النضال الشعبي، المفضي إلى ظهور حراكات شعبية بمختلف مناطق المغرب، بلغت ذروةً في حراك الريف/جرادة.
لكن ما كان يبدو بديهيا في السياق الثوري العالمي لسنوات 1960-70، بات اليوم معدوما في الأفق: الثورة الاشتراكية كحل جوهري لمعضلات المغرب. فقد انتهت أزمة الستالينية إلى انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته، وغاب الأفق الاشتراكي على صعيد عالمي. حفز هذا طبعا التحولَ الإصلاحي لقسم كبير جدا من اليسار الثوري، وحصر حركة النضال العمالي والشعبي في ضيْق الآنية وغياب البديل.
واستفحلت مشكلات البشرية المقهورة بمفاقمة الرأسمالية لتدمير البيئة، وتنامي النزوع الفاشي الجديد، وصنوف أخرى من الرجعية عبر العالم، واحتداد النزوع الحربوي وسباق التسلح، بنحو بات يهدد استمرار الحياة على كوكبنا.
أمور كلها إنما تؤكد، أيما تأكيد، الحاجة الى ما رامه الشباب المؤسس لمنظمة 23 مارس الثورية، أي حزب الثورة الاشتراكية، المطابق للظرف العالمي والمحلي، المستقوي بدروس الحركة العمالية العالمية وحركة التحرر الوطني، بنجاحاتها، وبخاصة إخفاقاتها.
اليوم وقد بات معظم مؤسسي منظمة 23 مارس يتنكرون لهويتها الثورية الأولى، تنكرا تاما تجلى في المقدمات التي وضعها لمصنفات جريدة 23 مارس،الصادرة في 2015-2016، ستةٌ من قادتها التاريخيين، وكذا في كتاب رمزها التاريخي، “هكذا تكلم محمد بنسعيد” (2018)؛ يظل تراثها الثوري ملكا لطلائع النضال العمالي والشعبي تستنير به؛ وفي القلب منه، فكرته الجوهرية، خلاصة انتصار الحزب البلشفي في مطلع القرن الماضي، وما أطلق من سيرورات ثورية عبر العالم: الحاجة إلى المنظمة الاشتراكية الثورية، محليا وأمميا، لإنهاء سيطرة رأس المال، وفتح سبل البناء الاشتراكي.
كانت منظمة 23 مارس الثورية شبيبية بامتياز، والى الشبيبة، العمالية والطلابية، يتعين التوجه اليوم بالمنظور الاشتراكي الإيكولوجي الثوري، لبناء منظمة الثورة الاشتراكية المغربية، وفي الآن ذاته الإسهام في بناء المنظمة الأممية المطابقة. إنها المهمة التاريخية التي نذرت لها جريدة المناضل-ة جهودها طيلة عقدين، وفاء لمنظمة 23 مارس الثورية، ولجهود كافة مناضلي- ات المغرب الذين رفعوا عالية راية الثورة، بانفتاح وروح رفاقية.
اقرأ أيضا