ماذا يعتمل تحت سطح الحياة السياسية؟
الناظرُ إلى سطح الحياة السياسية بالمغرب سيندهش لـحجم الهدوء والخمول اللذين يسمان الوضع العام. الملكية تدبِّر الوضع السياسي بما تشاءُ إرادتُها، وآليتُها السياسية تشتغل بشكل سليم بدون منغصات: برلمان يعقد جلساته بوتيرتها العادية، وحكومة تدبر الشأن العام بشكل عادٍ، ومؤسسات دستورية مشتغلة على قدم وساق في إصدار التقارير حول مجمل أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بالبلد.
تمكنت المَلكية من فرض الانضباط على المجتمع، دون لجوء إلى أساليب قمع قصوى اعتمدتها ديكتاتوريات أخرى بالمنطقة. لا بل يبدو المغرب واحةً ديمقراطية مزدهرة وسط صحراء إقليمية يحوطها خراب وحروب أهلية… إلخ. هذا ما يزكي أكثر لوحةً عن الاستقرار السياسي تسوِّقها الملكية داخليا، لضمان مزيد من الخضوع الشعبي، والتحكم السهل في المجتمع وضبط الحياة السياسية. وخارجيا لاستدرار الدعم الإمبريالي واستقطاب الاستثمار الأجنبي وولوجٍ سهل إلى سوق الائتمان الدولي.
يتيح ضبطُ الوضع السياسي هذا للبرجوازية، بكل أقسامها، مواصلةَ استغلال الشغيلة بأقل كلفة. فآلية البلد الاقتصادية شغالة لا يربكها أي نزاع اجتماعي، وقد مكنتها المَلكية مؤخرا من المزيد بفرض قانون منع عملي للإضراب. أما قسم الطبقة العاملة المشتغل لدى الدولة، الأفضل تنظيما، فقد تمكنت من تطويعه، خصوصا بعد هزم حراكي شغيلة التعليم (نهاية سنة 2023) وشغيلة الصحة (صيف 2024)، وهي تستعد، بعد تمرير القانون المنع العملي للإضراب، لشن هجمة تخريب التقاعد الشرسة. وفقد نضال الشبيبة زخمه المنطلق مطلعَ التسعينيات، مع كفاحات جمعية المعطلين- ات، والجمعيات الثقافية شبه منقرضة، والساحة الطلابية صحراءٌ جرداء إلا من جولات اقتتال فصائلي بين الفينة والأخرى. كما شهدت دينامية النضال الشعبي تراجعا نوعيا منذ هزم حراك الريف/ جرادة، تدل عليه ضمن أمارات عدة العزلة الراهنة لحراك فجيج.
يلقي هذا الوضع بثقله على معنويات الطلائع واستعدادها النضالي، حيث تنتشر مشاعر الإحباط ولا جدوى القيام بأي شيء: فمقرات النقابات فارغة مهجورة، إلا لعقد اجتماعات رتيبة غافلة عن المخاطر المحدقة بالطبقة العاملة. يعبر شعار” ماكاين مع من!” الرائج عن هذه النفسية واسعة الانتشار. نفسية الإحباط هذه خطيرة جدا لأنها تَحُولُ دون استثمار المتاح حاليا من قوى النضال والاستعداد الشعبي، لإعداد جولات النضال القادمة لا محالة، والتي تلوح بشائرها بشكل دوري، على شكل خضات نضالية هنا وهناك: بني تجيت، فجيج، وجدة، نضالات بعض فروع جمعية المعطلين، وقفات رافضة للتطبيع وتضامنية مع الشعب الفلسطيني، مناوشات في قطاعات الوظيفة العمومية… إلخ.
تدرك المَلكية حجم الاستياء الشعبي المتصاعد في المجتمع، بفضل ما لديها من مجسات نبض الشارع، وتشكل أجهزة وزارة الداخلية النافذة إلى أعماق المجتمع أعظم أجهزة الجس. ما يتيح، عند وشوك التفجر، تنفيس الوضع. ويدل قرار المَلك الاستغناء عن ذبح أضاحي العيد بسبب التراجع الكبير في أعداد المواشي جراء جفاف حاد للعام السابع على التوالي، على حجم التوجس مما يعتمل تحت سطح الحياة السياسية.
ما يتيح للمَلكية ضبط الوضع السياسي وتنفيسه دوريّا كلما قارب نقطة التفجر، إنما هو حالة أدوات النضال ذاتها. فالنقابات، أهم تنظيمات الطبقة العاملة حاليا بالبلد، تحت تحكُّمِ بيروقراطيات عمالية موالية لأحزاب برجوازية أو للقصر مباشرة. والبطالة الجماهيرية وشتى أشكال العمل الهش تدمر مقدرات الطبقة العاملة التنظيمية، وتقف عائقا أمام انخراطها النشط في النقابات. ووضع اليسار مُزرٍ، قليل الثقل في ميزان الصراع الطبقي، ومعظمه لا خطَّ نقابي له مستقل عن البيروقراطيات النقابية، بل خاضع لها بشكل ذليل تفعل فيه ما تشاء دون قدرة على الرد. ويفاقِمُ تشتتُ هذا اليسار والعصبوية الغالبة وضعَه المأزوم هذا.
هذا وضع لا يمكن أن يدوم إلى الأبد. فالتغيير قانون المجتمع. فقط انطباعيون، ويائسون كليا من قوة الطبقة العاملة وسائر كادحي- ات الشعب الكامنة، يعتقدون بالقوة الأبدية للنظام الرأسمالي وخادمه السياسي (الملكية). لم يفصلنا كبير وقت عندما قامت شعوب المنطقة مسقِطة رؤوس أنظمة ديكتاتورية كانت تظهر منيعة عن الإسقاط، مُجبرة النظام المَلكي بالمغرب على إجراء إصلاحات دستورية طالما كان يرفضها بنحو مطلق، وقبل ذلك اضطرت إلى إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي سنة 2000 تحت ضغط التظاهرات المتضامنة مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
ستتمكن المَلكية من تنفيس الوضع بإجراءات ترقيعية وقمع محسوب وحذر. كما ستتمكن من تدبير الوضع السياسي بنفس الآليات المعتادة: انتخابات وتداول بين أحزاب لا فرق بينها على واجهة حكومية واحتواء لقيادات منظمات الشغيلة. لكن إلى متى؟ ستؤدي حدة الأزمة الاجتماعية وتَفجُّريتها إلى توالي النضالات العمالية والشعبية، وستصل تلك الأزمة نقطة لن تتمكن معها المَلكية من تنفيسها بنفس الآليات المعهودة. لكن الوضع لن يتغير من تلقاء ذاته، والقدرة على التكيف قائمة، ما دام وضع أدوات النضال على حاله.
المهمة عظيمة جدا: إعادة بناء الحركة النقابية المغربية على خط ديمقراطي كفاحي، وبعث أدوات نضال الشبيبة، وتنظيم نضالات فقراء- ات القرى، وبناء ما هو غائب عن ساحة البلد منذ قرن: حزب العمال الاشتراكي الثوري، هي مهام جسام تقع على عاتقنا وتستدعي تضافر جهود كل من ينسب نفسه إلى المشروع التاريخي للطبقة العاملة، في التحام مع الطلائع التي تولد مع كل نفَس للنضال العمالي والشعبي.
كلنا ثقة في قوى الطبقة العاملة وكادحي- البلد، وهؤلاء يقومون بالواجب دوما، فيندفعون في خَضَّاتٍ نضالية كلما وصل السكين العظم، وحراك شغيلة التعليم العظيم نهاية سنة 2023، كان دليلا على خزان تلك القوى العمالية الكامن. يبقى الناقص هو واجب قوى اليسار بالبلد، التي يجب أن تلتف على مشروع مناهض للاستبداد ومعادٍ للرأسمالية، فالشعب مستعدٌّ للنضال، لكنه لا يرى في البلد أي قوة سياسية تستحق الالتفاف حولها. مهمتنا بناء تلك القوة السياسية. فإلى الأمام.
اقرأ أيضا