تنسيقة التعاقد المفروض: بعد سبع سنوات من النضال (حوار مع رجاء برهمان)
في مارس 2025 حلت ذكرى تأسيس التنسيقية الوطنية للأساتذة- ات وأطر الدعم المفروض عليهم التعاقد، سيع سنوات من نضال مجيد بمكاسبه وانكساراته. للوقوف على حال ومآل هذا الإطار المناضل، أجرى موقع المناضل- ة حوار مع رجاء برهمان- التنسيقية الوطنية للأساتذة المفروض عليهم التعاقد وأطر الدعم- مديرية الصويرة.
1* ما القيمة المضافة للتنسيقية الوطنية لنضال شغيلة التعليم؟
دخلت تنسقيتُنا تاريخ نضال الشغيلة من بابه الواسع. لا أحد يستطيع أن ينكر ما خلفته سبع سنوات من نضال الأساتذة والأستاذات من مكاسب دروس قيِّمة.
طيلة سنوات شكلنا الكتيبة الأمامية في جيش المتضررين- ات من السياسات التخريبية التي تنهجها الدولة، وكانت استماتتنا في الشارع بمثابة نفير حرب، ودقَّ نضالُنا ناقوسَ خطر الإجهاز على ما تبقى من مكاسب الشعب المغربي وعلى رأسها المدرسة والوظيفة العموميتين (مجانية التعليم، مخطط التقاعد، قانون الإضراب…).
لعبت تنسيقيناة وما أبان عنه الأساتذة- ات من صمود وقتالية وطول نَفَسٍ وفرض ممارسة حق الإضراب، دورا في إعادة الثقة للإضراب كوسيلة لانتزاع المطالب والحقوق المشروعة، وحفزت الانفلات من قبضة البيروقراطيات النقابية التي جعلت من الإضراب «أبغضَ الحلال»، لا تلجأ إليه إلا حين تغلق الوزارة باب الحوار.
ساهم جزء مهم ممن تكون داخل تنسقية المفروض عليهم-هن التعاقد في نقل أساليب نضالاتها وإرثها النضالي والتنظيمي إلى حراك التعليم الأخير (التنسيقية الموحدة لهيئة التدريس).
أحيت التنسيقية تقاليد عمالية قديمة وهي الجموع العامة حيث يُقرِّر الشغيلة خطواتهم- هن النضالية يضعون أجهزة تنظيمهم- هن تحت رقابتهم- هن. رغم تراجع هذه التقاليد تحث تأثير شدة قمع الدولة ونقل الفاسد من الممارسات البيروقراطية إلى التنسيقية من طرف أنصار القيادات البيروقراطية وأطراف سياسية أخرى.
أوضحت معركة شغيلة التعاقد المفروض الدور المنوط بشغيلة التعليم في مقاومة سياسات الدولة وضرورة التصدي لها بقوة النضال الوحدوي مع باقي الشغيلة، حيث تشكل الشغيلة التعليمية أكبر نسبة من موظفي- ات الدولة. وأن انتصار المعركة ضد مخطط التعاقد سيعني إجهاض مخطط الدولة لتعميمه على الرسميين-ات وباقي القطاعات، ولو انضمَّ الشغيلة النظاميون- ات إلى نضالات المفروض عليهم- هن التعاقد، منذ البداية، لما تمكنت الدولة من تمرير نظام المآسي بصيغته الحالية.
2* هناك موجة انخراط كثيفة لمناضلي- ات التنسيقية في النقابات؟ بما تفسرين ذلك؟
طيلة معركة التعاقد ساد نقاش اتسم بهجوم شرس على النقابات ونعتها بالنفايات، في غياب أي تمييز بين النقابة وبين القيادات النقابية البيروقراطية المنخرطة في سياسة الشراكة الاجتماعية مع الدولة. هذا الهجوم على النقابات بشكل عام فوَّت على التنسيقية فرصة تاريخية عظيمة لنقل شرارة هذه المعركة إلى الأجيال القديمة من الشغيلة خصوصا المُنظَّمين داخل النقابات (الظاميون- ات)، واعتبروا ذلك التهجم على النقابات تهجما على أدوات نضالهم التي ناضلوا داخلها لسنوات وعقود من جهة، ومن جهة أخرى زاد من ترسيخ إفقاد النقابة مصداقيتها في أعين الأجيال الجديدة من شغيلة القطاع، وهي فكرة تسخِّر الدولة وأبواقها الإعلامية كل جهودهما لترسيخها في الأذهان. هذا ليس السبب الوحيد طبعاـ لكنه قسط التنسيقية من مسؤولية عدم تلاقي نضالات المفروض عليهم- هن التعاقد مع نضالات النظاميين- ات، بينما القسط الأعظم من تلك المسؤولية يقع على البيروقراطيات النقابية.
تبدُّلُ الموقف من النقابات وانخراط العديد ممن كان يناضل تحت لواء التنسيقية فيها وتزايد عددهم- هن في السنوات الأخيرة، يُعزى إلى التراجع الذي عرفته التنسيقية خلال هذه السنوات، والوضع الحالي الذي تعيشه، حيث لم يبقَ منها سوى هيكل فوقي معزول عن جماهير الأساتذة- ات وأطر الدعم، بسبب رفض الاعتراف بالأخطاء واستخلاص الدروس وكبت للنقاش من جهة، وشدة هجوم الدولة وقدرتها على إقناع جزء مهم بانتهاء التعاقد والعزلة النضالية من جهة أخرى. فبحث الأساتذة-ات عن الحماية والسند القانوني (تكاليف – تمثيلية داخل الهياكل…) خصوصا بعد حصر الدعوة إلى الإضراب بيد النقابات، بعد تمرير القانون التكبيلي للإضراب. لكن هذا الانخراط لم يأت إثر نقاش ديمقراطي واسع بين جموع الأساتذة- ات وقرار جماعي متفق عليه سلفا، بل كان انخراطا فرديا. ذاك النقاش الديمقراطي والقرار الجماعي كان سيتيح نقل ما راكمه المفروض عليهم- هن التعاقد من دروس إلى هذه الإطارات النقابية، عِوَض ما وقع: أي نقل ممارسات البيروقراطية النقابية إلى التنسيقية.
3* ما الإضافة التي يمكن أن يقدمها هؤلاء المناضلون- ات إلى العمل النقابي؟
إن تزويد النقابات بطاقات شابة متمرسة وذات خبرة نضالية يجب أن يكون من منظور العمل على نقل ما راكمته هذه الأخيرة من تجارب وخبرات نضالية مديدة في عدة جوانب تنظيمة وإعلامية. ومن هذه الخبرات: الجموع العامة حيث يقرر ويسير الشغيلة خطواتهم ويُخضعون خلاصات التفاوض مع الدولة للنقاش والتصويت، أيضا إعلام نشط يخاطب جموع الشغيلة لتوضيح هجومات الدولة، وهو ما كان مفتقَدا طيلة عقود داخل الإطارات النقابية.
كان بإمكان مناضلي- ات التنسيقية نقل هذه الخبرات والدروس إلى النقابات التي انخرطوا فيها، وبث روح الكفاح والنضال فيها. لكن، التهجم السابق على النقابة بشكل عام عِوَضَ انتقاد البيروقراطية، كبح أي نقاش. حتى في حالة اقتناع مناضلين- ات بالالتحاق بالنقابات، فهم يفضلون القيام بذلك في صمت ودون أي تقيييم لموقفهم- هن السابق.
وبدل نقل تقالد التنسيقية الكفاحية إلى النقابات، أصبح المنخرطون- ات من مناضلي- ات التنسيقية في النقابات، أشد المدافعين- ات عن بيروقراطياتها والمتحمسِّين- ات لخط التعاون الطبقي والشراكة الاجتماعية. ومن جانب آخر تبنى مناضلو- ات التنسيقية المنخرطين- ات في النقابات أساليبها القائمة على حل الملفات الاجتماعية والإدارية للأساتذة عبر التواصل اليومي مع المديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية، منخرطين- ات في تنافس حول من يستقطب أكثر إلى نقابات تتبنى نفس الخط النقابي، ناقلين- ات بذلك شعار «فخر الانتماء» من التنسيقية إلى النقابات التي انخرطوا فيها.
لن يتأتى إغناء النقابات بالممارسات الكفاحية التي أبانت عنها التنسيقية طيلة سنوات نضالها، إلا عبر فتح نقاشات حقيقية سواء من داخل هذه الاطارات أو من داخل شغيلة التعاقد المفروض لتقييم المواقف والممارسات السابقة الصحيح منها والخاطىء، لاستخلاص الدروس والعبر من هذه التجارب لأجل استثمارها في القادم من المعارك، وأيضا عبر تنظيم معارضة نقابية وحدوية تخترق جميع النقابات و تناضل من أجل تملك الشغيلة لأدوات نضالهم (النقابة) بناء على خط ديمقراطي كفاحي وحدوي.
4* بعد سبع سنوات من النضال، كيف تقيمين وضع التنسيقية الوطنية اليوم؟ وهل لا يزال لها مستقبل بعد تمرير النظام الأساسي الجديد؟
بعد سبع سنوات متواصلة من النضال تمكنت الدولة من كبح نضالات التنسقية الوطنية، حيث واجهتها بكل أنواع القمع المادي والمعنوي (استشهاد عبد الله جيلي، اقتطاعات، إجراءات عقابية، اعتقالات…). وقد فاقمت حدةُ هذا القمع عزلة التنسيقية، فرغم الدرس الأهم الذي استخلصته الجماهير الأستاذية بعد انتكاسة مارس- أبريل 2019، وانعكس في خطاب التنسيقية، وهذا الدرس هو «معركة التعاقد معركة الشعب المغربي»، إلا أنها لم تستطع أن تترجم ذلك على أرض الواقع.
طولُ المعركة وشدة هجوم الدولة والدور الذي لعبته القيادات النقابية إلى جانب إصرار قيادات التنسيقية على تكرار نفس الأخطاء وتوقُّع نتائج مختلفة مع الاستنكاف عن مهمة تقييم جماعي حقيقي واسع بين الأساتذة-ات يفضي إلى جرد هذه العثرات من أجل تجاوزها في القادم من المعارك، كل هذا أدى إلى تبديد طاقات نضالٍ عظيمة في مناوشات معزولة منذ 2018، فجاء حراك أكتوبر 2023 ليجد التنسيقية قد نال منها الإنهاك بفعل مواسم نضالية متتالية، فكان دورها ضامرا رغم أنها زودت الحراك بزاد إرثها النضالي والتنظيمي.
رغم الهزيمة التي عرفتها معركة شغيلة التعاقد وبعدها الانتكاسة الأخيرة لحراك التعليم المجيد، إلا أن هناك مكاسب مهمة تجلت في تمرُّس ألوف من الشبان والشابات بقطاع التعليم على النضال والكفاح بجانب المئات من النقابيين- ات الرافضين- ات للوضع الراهن، والمتطلعين- ات لوضع أفضل على كافة المستويات.
لم تستجب الدولة لمطلبنا المتمثل في الإدماج في أسلاك وظيفة عمومية قارة وإسقاط مخطط التعاقد، بل أقرت نظاما أساسيا جديدا يجعل التوظيف الجهوي واقعا تشريعيا قائما، فضلا عن أساليب تدبير موارد بشرية مستمَدة من القطاع الخاص (الترقية بالمردودية… إلخ). يعني هذا أن النضال لا يزال على جدول الأعمال، وإن خَفتَ بسبب مآل حراك سنة 2023، لكنه قادمٌ لا محالة، فحدة الاستغلال تخلق شروط النضال. إلا أن استئناف المعركة مستقبلا يتطلب إجراء تقييم شامل لجولات النضال السابقة لأجل الإعداد لجولات النضال القادمة.
5* بماذا تفسرين غياب المطالب النسوية في الملفات المطلبية للتنسيقية؟
طيلة سنوات نضال التنسيقية ظل المطلب الرئيسي هو الادماج في أسلاك الوظيفة العمومية الذي تفكَّك بدوره الى المطلبيات الثلاث (الحركة الانتقالية الوطنية، الإدماج في الصندوق المغربي للتقاعد، منصب مالي ممركز). لذلك لم يكن واردا الحديثُ عن ملف مطلبي يضم مطالبا نسائية.
تعتبر النساء (وهنا الأستاذات) الفئة الأكثر تضررا من سياسات الدولة عبر الفرض المتزايد لفرط استغلالهن بشتى صنوف هشاشة التشغيل بكلا القطاعين خاص وعام وميز في الأجور وظروف العمل السيئة وعبء إعادة الانتاج الاجتماعية تضطر الأستاذات لترك أطفالهن بالمنزل دون رعاية، يزداد هذا العبء بفعل عدم قدرتهن على تحمل تكاليف إضافية للحاضنات بسبب ثقل نفقات التنقل وتوفير وسائل العمل وغيرها من النفقات الإضافية. يتفاقم هذا الوضع مع تنامي تردي الخدمات العمومية وحتى انعدامها في قطاعات عدة حيث يؤدي يوم عمل مزدوج إلى ضغط نفسي وأضرار صحية مضاعفة على الأستاذات.
منذ بدايات المعركة ساهمت الأستاذات بشكل مهم في بناء التنسيقية عبر فتح النقاشات وجموع عامة داخل المدارس ومراكز التكوين… إلا أن ذلك لم ينعكس على حجمهن الحقيقي في صفوف التنسيقية، خصوصا أن الدولة سارعت إلى الرفع من نسب تشغيلهن سنة تلو الأخرى.
رغم الدعاية الرجعية السائدة في صفوف الأستاذة الذكور، بأن الدولة توظف الإناث لأنهن أكثر قبولا بالواقع وأقل نضالية، لم تكن الأستاذات أقل قتالية، بل كن في مقدمة النضال ونِلن نصيبهن من وحشية القمع والاعتقال والتحرش. رغم ذلك جرى تغييب نقاش المسألة النسائية داخل التنسيقية، نظرا لرسوخ العقلية الذكورية. عندما نتحدث عن العقلية الذكورية لا نقصد الذكور حصرا، ففي أحد المجالس الوطنية المنعقدة بمراكش سنة 2019، اقترح أستاذٌ إنشاء لجنة للنساء داخل التنسيقية، وكانت أستاذة واحدة هي من دعمت مقترحه ذاك، بينما جرى تجاهل المقترح من طرف المجلس الوطني، وكانت أستاذةٌ هي من تقدمت لرفضه بمبرر عدم الحاجة إلى التمييز بين الذكور والإناث داخل الهياكل، وأن النساء لا يعانين من نقص كي ننشئ لجنة خاصة بهن.
هذه نقيصة طالما لازمت النضالات السابقة، فليس الأمر بالجديد. فقد غاب نقاش المسألة النسائية بالمغرب بشكل عام داخل النقابات طيلة عقود. ولم تعمل التنسيقية سوى عل استنساخ ذلك، كما استنسخت تقاليد سيئة أخرى.
يقدَّم مبرر لذلك وهو أن مطلب التنسيقية هو «الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية»، لذلك لا داعي لتبني مطلب «فئوي» يهم فئة بعينها وهي النساء. لكن هذا ليس صحيحا، فلا يمكن أن نضمن مشاركة فعالة للأستاذات في النضال، إذا لم نستحضر وضعهن الخاص كنساء، مفروضٌ عليهن إلى جانب المهام المهنية والأسرية والاجتماعية، أن يقتطعن وقتا ليخصصنه للنضال. تنظَّمُ جموع عامة ومجالس وطنية تستمر حتى ساعة متأخرة من الليل! كيف يمكن أن تكون الأستاذات مشاركات فعليا في القرار وتدبير المعركة في شروط كهذه، لا تأخذ بعين الاعتبار وضعهن الخاص كنساء؟
إن عدم الاهتمام بوضع الأستاذات كنساء، هو ما يفسر سيادة الذكور داخل أجهزة التنسيقية، ويفسر بدوره غياب المطالب النسائية عن الملف المطلبي للتنسيقية، وليس لأن هذه المطالب فسوية ستجزئ نضالنا. نتذكر أنه عند ما كانت هياكل التنسيقية في حاجة لتبرير مطلب الحركة الانتقالية الوطنية (إلى جانب مطلبي الإلحاق بالصندوق المغربي للتقاعد والمنصب المالي الممركز)، جرى استحضار هذا الوضع بشكل براغماتي واستُدعيت أستاذات إلى الندوات الإعلامية للحديث عن وضعهن كزوجات، ولكن لتبرير حاجة الأساتذة الذكور ليكونوا إلى جانب زوجاتهن! وليس اهتماما فعليا بوضع الأستاذات كنساء، هكذا جرى رمي «فئوية المطلب» مؤقتا في سلة المهملات.
مطالب مثل: حضانات جماعية في أماكن العمل وعطلة الدورة الشهرية مؤدى عنها وتجريم التحرش الجنسي في أماكن العمل… إلخ، كيف ستضر هذه المطالب نضال المفروض عليهم- هن التعاقد؟ بالعكس ستُغْني ذلك النضال بجعل النساء/ الأستاذات أكثر تمسكا بإطار يهتم بأوضاعهن الخاصة كنساء.
لا يمكن لنضال الشغيلة أن ينتصر وهو يُغيِّب المطالب الخاصة بمن يشكل نصف هؤلاء الشغيلة، أي النساء.
اقرأ أيضا