هل فعلا يجعل فتات الدعم الاجتماعي المباشر من الكادحين- ات كُسالى؟

سياسة1 مارس، 2025

بقلم- أزنزار

«إن ديمومة الدعم المباشر تدفع الناس للتسجيل من أجل الاستفادة دون أن يساهموا في ارتفاع دينامية التشغيل. وحتى إذا كانت هناك فرص تشغيل فقد لا يذهبون إليها». هذا ما صرح به والي بنك النغرب، عبد اللطيف الجواهري، يوم 17 ديسمبر 2024.
من سيصدق أن مئات آلاف الأسر الكادحة ستفضل الحصول على مهانة الركض وراء فتات صدقة اجتماعية على الحصول على عمل بدخل يضمن حياة كريمة؟ إنهم خدام دولة رأس المال وحدهم من يُطلقون تلك الأكذوبة ويعملون على تجريعها للكادجين- ات.

لكن وراء الأكذوبة نية مسبقة لتنفيذ «سياسة حماية اجتماعية» موصى بها من البنك الدولي، سياسة قائمة على استهداف مؤقت بدعم مباشر. هذا ما قاله الجواهري حرفيا: «لا ينبغي الاستمرار في صرف الدعم المباشر على المدى الطويل، بل يجب أن يكون في ظرفية زمنية معينة وأن ينتهي بعد ذلك». تصريح الجواهري ترجمة حرفية للوارد في تقرير للبنك الدولي صدر في أبريل 2020: «تنفيذ برامج على أساس قياس القدرة المالية أو برامج مؤقتة».
لنعُد إلى فكرة أن «ديمومة الدعم المباشر تدفع الناس إلى عدم الذهاب إلى فرص الشغل» كما صرَّح الجواهري. تعني هذه الفكرة أن الكادحين- ات سيفضلون «الكسل» وهم يحصلون على فتات دعم اجتماعي مباشر، على العمل في فرصة عمل مُنتجة وخالقة للثروة.
إن خادما للبرجوازية جالسا في مكتبه الوتير والمكيَّف، هو وحده من يستطيع أن يصرح بهذا الكلام. يعرف الجواهري تماما حجم الجهد الذي تيذله الأسر الفقيرة للحصول على فتات ذلك الدعم، وحجم المهانة التي تتجرعها تلك الأسر وهي تنتقل بين المكاتب ومحلات التسجيل، رافعة أكف الضراعة إلى السماء كي لا يجاب على طلبها بالرفض، لأن مؤشرها الاجتماعي صعد نقطة! يعتبر خادم البرجوازية (الجواهري) كل هذا المجهود وتحمل المهانة «كسلاً»، لأنه لا يدخل في دائرة الاستغلال الرأسمالي الذي يخلق الأرباح للبرجوازيين وضرائبا لدولتهم؛ وهو ما يسمونه «خلقا للثروة».
لكن، لماذا التركيز على ملايين الأسر الفقيرة والكادحة والتشهير بما تناله من دعم مباشر، أصله إلغاءٌ لصندوق المقاصة، والسكوت عن أكثر الناس كسلا في المجتمع: الرأسماليون وخدامهم السياسيون.
لنُجرِ مقارنة بسيطة: يبلغ حجم الدعم الإجمالي المباشر 25 مليار درهم سنة 2025، يستهدف ما يقارب أربعة ملايين أسرة، بيما تبلغ الاعتمادات المخصصة للقوائم المدنية المتعلقة بالملك، حسب قانون مالية سنة 2025، 26 مليون درهم و292 ألف درهم، وميزانية موظفي وأعوان البلاط الملكي 621 مليون درهم و 168 ألف درهم، وميزاينة المعدات والنفقات الخاصة بالقصر الملكي مليار درهم و542 مليون درهم و183 ألف درهم، والاعتمادات المفتوحة المتعلقة بنفقات الإستثمار الخاصة بالقصر الملكي 131 مليون درهم و608 آلاف درهم. وسبق لعدد من مجلة «تيل كيل» (سنة 2016) أن كشفت عن الرقم المخصص كمعاشات لأمراء وأميرات الأسرة المَلكية وهو: 21 مليون درهم.
حصيلة المقارنة:
* أسرة واحدة/ الأسرة المَلكية: أكثر من ملياري درهم دائمة
* أربعة ملايين أسرة كادحة: 25 مليار درهم مؤقتة.
كيف يجري القبول إذن بهذا «الدعم» السخي للعائلة المالكة، التي لا تساهِم بأي وجه من الأوجه في «خلق الثروة» ولا في «دينامية التشغيل» ولا في «ضرائب الدولة لتعزيز هوامش الميزانية». ميزانية العائلة المالكة هي الوحيدة، ضمن وثائق مرفقة بمشاريع قانون المالية، التي لا يُنجَز عنها تقرير خاص وبتفاصيل دقيقة بينما تُعتبَر 500 درهما خطرا على «دينامية التشغيل» وعلى «هوامش الميزانية».
وحتى حين صرح محمد الوفا (الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة سابقا): «إن الملك يَعتبر كل شيء قابلا للنقاش، بما فيها ميزانية تسيير وإدارة القصر الملكي»، فما خُصص لذلك في قبة برلمان الاستبداد (سنة 2013) هو اثنتا عشر دقيقة فقط في مجلس النواب وأربع دقائق في مجلس المستشارين. وحين تقدَّم نائب العدالة والتنمية، آنذاك، لذلك النقاش فإنه حرص على أن يكون «مؤطَّرا بالاحترام والتقدير الواجب للملك»، عكس الكادحين- ات الذين يُنعتون علنا بـ»الكسل».
أما عن الرأسماليين/ القطاع الخاص فحدث ولا حرج. إنهم أشبه بثقب أسود يلتهم المالية العمومية بلا حدود، عبر أشكال دعم وتحفيز مختلفة. ورغم ذلك، وبتصريح بنك المغرب نفسه (التقرير السنوي 2018)، فإنه أكبر مساهِم في «تباطؤ النمو والتشغيل»: «إن تباطؤ النمو والتشغيل مترتب أيضا مباشرة عن ضعف الاستثمار الخاص، بالرغم من الحوافز العديدة الممنوحة». ورغم ذلك لم يدعُ السيد الجواهري إلى إيقاف الدعم الموجه للقطاع الخاص/ الرأسماليين.
جوهر فكرة الجواهري («كسل الكادحين- ات») هي حجة أيديولوجية قديمة سبق لكارل ماركس أن ردَّ عليها ردا مُفحما في البيان الشيوعي سنة 1848: «لقد وُجِّه إلينا اعتراض يقول: بالقضاء على المِلكية الخاصة سينتهي كل نشاط وسيستفحل الكسل المعمم. لو كان هذا الاعتراض صحيحا لكان المجتمع البرجوازي قد هلك منذ زمان طويل، إذ إن الذين يعملون فيه لا يربحون والذين يربحون لا يعملون».
ونحن أيضا نرد على الجواهري: لو صح ما تقوله لانهار الاقتصاد المغربي منذ زمن بعيد لأن قسما مهما من الثروة التي ينتجها الشغيلة والكادحون- ات يلتهمها قسم من المجتمع لا يساهم بأدنى جهد في إنتاجها.
سبق للاستبداد أن روَّض الصحفي علي أنوزلا عندما كتب مقالا بعنوان «كلفة الملكية في المغرب» سنة 2012، خاتما مقاله باستنتاج سياسي مفاده: «الخلاصة أن الملكية في المغرب مكلفة ماديا واقتصاديا وسياسيا ومعنويا. الحل هو الثورة، وهي آتية لاريب فيها». قد يتمكن الاستبداد من ترويض الأفراد، وحتى القضاء على المنظمات، لكن لا يستطيع استئصال الطبقات، وبالخصوص الطبقة الثورية حتى النهاية: الطبقة العاملة. وعندما تقوم هذه الأخيرة على قدميها العملاقتين وتقود وراءها شرائح الشعب الكادح ستقضي على كل الجسم الطفيلي الخامل (من طبقة برجوازية وخدامها السياسيين) الذين يمتصون دم المجتمع وعَرقه.

شارك المقالة

اقرأ أيضا