دولة موبيليس- ديف

بقلم- الوجدي

دولة الشركات وليست دولة العمال

لم تكن الدولة القائمة يوما دولةً للعمال -ات، إنها دولة الشركات، دولة الرأسماليين. لا تحتاج هذه الدولة القائمة إلى “الانحياز” إلى صف الشركات، فهي دولة تلك الشركات، وتدافع عن مصالحها في وجه نضالات الطبقة العاملة، وتوفر لها كل شروط الازدهار، أو ما يُطلَق عليه في المغرب “تحسين بيئة ومناخ الأعمال”. لذلك فكل الدعوات التي توجَّه للدولة كي تتدخل لإنصاف العمال وإجبار الشركات على الالتزام بقوانين الشغل، جهلٌ بجوهر تلك الدولة كونُها دولة الشركات وليست دولة العمال.

لا تنقص الدلائل في كل تاريخ النضال العمالي بالمغرب، وها هو نضال عمال النقل الحضري بوجدة ضد شركة موبيليس- ديف يقدم للمرة الألف الدليل على أن الدولة بالمغرب هي دولة الشركات وليست، ولا يمكن أبدا، أن تكون دولةَ العمال.

بعد أكثر من شهر من نضال عمال النقل الحضري بوجدة ضد شركة موبليس- ديف التي أثبتَ الجميعُ، بما فيه المسؤولون والمنتخَبون داخل المجلس الجماعي، بأن هذه الشركة خرقت القانون ولم تلتزم بدفتر التحملات، بعد كل هذا ها هي الدولة تتدخل لـ”إنصاف” الشركة وقمع العمال. أي دليل أكبر من هذا على أن هذه الدولة هي دولة الشركات وليست دولة العمال.

طيلة الأزمة كانت الدولة تعمل لإنقاذ الشركة وليس لـ”إنصاف العمال” أو “إنفاذ القانون”. فالقانون الوحيد القائم في المجتمع هو القانون الذي يحمي الشركات من العمال وليس العكس. عملت الدولة على استغلال المالية العمومية لإنقاذ الشركة من أزمة مالية مزعومة، عبر دعم كوفيد وشتى صنوف الدعم الأخرى وعدم استخلاص الغرامات المستحَقة على الشركة. وطيلة هذه “الأزمة” لم تتدخل الدولة لإرغام الشركة على أداء الأجور المتأخرة للعمال ولا على دفع مستحقات الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية. هل من دليل أقوى من هذا على أن هذه الدولة القائمة هي دولة الشركات وليست دولة العمال.

بعد أكثر من شهر على نضال العمال، تدخلت الدولة باستعمال القانون لقمع نضال العمال. أصدر باشا المدينة قرار “منع التظار والتجمهر بالطريق العام” يوم 19 مارس 2025، مستنِدا إلى “القانون الجاري به العمل”: ظهير شريف متعلق بالتجمعات العمومية وخاصة الفصل 13 منه. والمبرر هو نفسه دائما: “التسبب في عرقلة حرية العمل، والإخلال بالنظام والأمن العامين”. لكن أليس ما قامت به الشركة من عدم الالتزام بدفتر التحملات وعدم أداء أجور العمال ومستحقات الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية “إخلالا بقانون” هو “مدونة الشغل”؟

ورد في قرار المنع: “يمنع طبقا للقانون تنظيم أي تجمهر أو اعتصام بالشارع العام، أمام مقر شركة الحافلات موبليس- ديف”. إن الدولة، في شخص السلطة المحلية/ الباشا، تتدخل لطرد العمال المظلومين من أمام مقر الشركة، أي لضمان “السير العادي” لآلة اعتصار الأرباح من العمال والمواطنين- ات، وهذا ما تقصِده الدولة عندما تتحدث عن “النظام والأمن العامين”، أي انتظام استغلال العمال وأمن الشركة. هل من دليل إذن أكبر من هذا على أن هذه الدولة هي دولة الشركات وليست دولة العمال.

في القرار ورد أيضا: “يُعهد للمصالح الأمنية السهر على تطبيق هذا القرار وفرض احترام وتطبيق القوانين الجاري بها العمل”. ويُقصَد بـ”المصالح الأمنية”، رجالَ القمع، أي فصائل مسلَّحة بالهراوات لتهشيم جماجم العمال إن رفضوا “الامتثال للقوانين الجاري بها العمل”، أي الامتثال لرغبة الشركة ومصالحها.

ما الدولة في آخر المطاف، إنها أجهزة قمع (المصالح الأمنية) وترسانة تشريعية (القوانين الجاري بها العمل)، تعمل كلها في صالح الشركات، وليس في صالح الطبقة العاملة.

العمال يقاومون والبيروقراطية النقابية تساوم

إذا كانت الدولةُ دولةَ الشركات وليست دولةَ العمال، فإن لهؤلاء الأخيرين أدوات نضالهم في وجه تلك الشركات ودولتها. إنها النقابات، وحزبُ العمال المفتقَد حاليا. لكن ليس هذا الحزب هو وحدَه المفتقَد، بل أيضا نقابات كفاحية وديمقراطية. لم يهب لنصرة العمال أي قطاع نقابي، نصرة فعلية. باستثناء تضامن كلامي من قطاعات أخرى داخل الاتحاد المغربي للشغل، جاء التضامن الوحيد من عاملات سيكوم- سيكوميك بمكناس، لكن للأسف تضامن من معركة تحتاج بدورها إلى تضامن. والتضامن الآخر هو اعتصام عضوي جماعة وجدة عن الحزب الاشتراكي الموَّحد شكيب سبايسي وغيثا البراد.

بدل أن يقوم الاتحاد المغربي للشغل وأجزهته بالتصدي لقرار قمع نضال العمال، قَبل الاتحاد قرار الفض الصادر عن الباشا بكل سلبية. ولكن هل يتعلق الأمر فقط بالسلبية؟ يبدو أن قرار الفض قد جرى اتخاذه بعد تفاهم مع القيادة المركزية للاتحاد المغربي للشغل، وانضبطت له القيادة المحلية بوجدة، وفُرض فرضا على عمال الشركة.  لم يجر نقاش فض اعتصام العمال في جمع عام، بل قبل يومين من ذاك عقد اجتماع الاتحاد المحلي، ولم يصدر أي قرار من هذا القبيل، حتى تفاجأ العمال والمتضامنون ببلاغ الباشا في ظل سكوت مريب من البيروقراطية، حيث لم تتواجد القيادة المحلية وقت تدخل قوات القمع بفض الاعتصام. أكثر  من ذلك  أشاد أحد أعضاء الاتحاد المحلي بما سماه “مهنية رجال الأمن وحكمتهم”.

كان موقف العمال من منشور الباشا، عكس الموقف الخياني للبيروقراطية، جوابا ميدانيا حيث التحق العمال بالمعتصم، كما العادة، في الصباح الباكر،  إلا أن قوات القمع كانت لهم بالمرصاد والبطش بهم في غياب وصمت الاتحاد المحلي الذي حاول إنقاذ ماء وجهه بالدعوة إلى تجمع بالمقر ليلا (ليلة الأربعاء)،  حضره عدد كبير من العمال مع ترديد شعارات حماسية (لا تراجع ولا استسلام، المعركة إلى الأمام…).

حتى الأشكال النضالية، التي كانت قررتها لجنة التنسيق الجهوي بجهة الشرق- الاتحاد المغربي للشغل، جرى تعليقها ببلاغ صادر بعد يوم من قرار الباشا فض الاعتصام. وتضمَّن بلاغ لجنة التنسيق الجهوي نفس الأضاليل البيروقراطية التي أدت دوما إلى هزيمة العمال: “بعد نقاش جدي لجميع النقط المطلبية…” ، “تم التعبير عن الاستعداد لوضع حد للأوضاع المتأزمة التي يعيشها القطاع”، “اعتبارا لما ساد اللقاء من روح إيجابية”. رغم كل ما أبانت عنه الدولة حتى الآن من دلائل على أنها دولة موبيليس- ديف وتدخلها القمعي لصالح الشركة، لا تزال بيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل تتحدث عن “النقاش الجاد” و “الروح الإيجابية”!

رغم ذلك، لم يستحيِ بلاغ لجنة التنسيق من الدعوة إلى جمع عام “لتقييم مخرجات الاجتماعين واتخاذ الموقف المناسب”. والجميع يعرف أنه في تقاليد وأدبيات البيروقراطية، يعني ذلك فرض تلك المخرجات فرضا على العمال. فلماذا لم يُدع إلى جموع عامة في كل نقابات وجدة لتحديد الموقف العمالي من فض اعتصام عمال موبيليس- ديف؟ لماذا لم يُؤخذ رأي العمال من تعليق الأشكال النضالية التي سبق للجنة التنسيق الجهوي بجهة الشرق تقريرها؟

العمال قادرون على الانتصار

إن ما يخيف الشركات ودولتها هي القوة الكامنة في الطبقة العاملة. وهذه القوة هي القدرة على وقف آلة الإنتاج والتبادل وشلِّ الجهاز الإداري للدولة. وهذا التخوف لا يقتصر على الدولة فقط، بل يشمل أيضا البيروقراطيات النقابية، التي لها مصالح مختلفة عن مصالح الطبقة العاملة، رغم أن تلك البيروقراطيات ، هي ذاتها شرائح ضمن الطبقة العاملة، لكن لها امتيازات تعمل على الحفاظ عليها، عبر التعاون مع الدولة والشركات.

نضالية العمال أمر لا يمكن نكرانه، حتى بيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل بوجدة اضطرت إلى أخذه بعين الاعتبار في بلاغ تعليق الأشكال النضالية، حيث ورد في خاتمته: “كما يُحي التنسيق العمال الذي عبَّروا عن ملامح بطولية وعن صمود رائع”. هذه الملاحم البطولية والصمود الرائع هو ما يُرعب دولة الشركات، ومعها البيروقراطيات النقابية. لذلك تسارع هذه البيروقراطيات إلى إطفاء كل انبعاث نضالي في صفوف العمال، كي يخلو المجال لما تسميه “المقاربة التشاركية” و”الحوار الاجتماعي”.

هذه القوة الكامنة في صفوف الطبقة العاملة وملاحمها البطولية وصمودها الرائع تحتاج إلى نقابات كفاحية ديمقراطية، ولكن تحتاج أيضا إلى الغائب حتى الآن عن ساحة النضال العمالي: حزب العمال الاشتراكي. هذا هو سيمكِّن الطبقة العاملة المغربية ليس فقط من هزم الشركات الرأسمالية، ولكن أيضا من هزم دولة تلك الشركات.

شارك المقالة

اقرأ أيضا