هل من بدائل أمام نقابتنا FNE- التوجه الديمقراطي: العقابُ ليس وصمة عار، بل وساماً نتقلده بشرف

بقلم: شادية الشريف

بعد سنة من مشاركة جامعتنا الوطنية للتعليم- التوجه الديمقراطي في أشغال لجنة إعداد نظام أساسي جديد، رفضت التوقيع على محضر الاتفاق المبرم بين قيادات اربع نقابات أخرى يوم 14 يناير 2023. وكان مبرر الامتناع عن التوقيع عدمَ تلبية مطالب أجراء-ة التعليم.

منذئذ عاقبت الوزارة جامعتنا الوطنية للتعليم بإقصائها من جولات “الحوار”. الإقصاء الذي اعتبرته حنان فاضل عضوة اللجنة الإدارية “انتقاما من الجامعة الوطنية للتعليم- FNE نتيجة رفضها للتوقيع على الاتفاق المهزلة 14 يناير 2023، الذي جاء مخيبا لآمال نساء ورجا التعليم ولم يستجب لأدنى مطالبهم وهي الزيادة العامة في الأجور”.

ليس هذا الانتقام/ الإقصاء وصمة عارٍ نسعى للتبرؤ منها، بل وساما نتقلده بشرف. فـ”المقاربة التشاركية” و”مأسسة حوار اجتماعي” مع وزارة تريد تخريب ما تبقى من مكاسب شغيلة التعليم أمر لا نسعى إليه، بل نرفضه، ونسعى إلى تفاوض مسنود بالنضال (الإضراب والاحتجاج).

نفذت جامعتنا الوطنية للتعليم اعتصاما أمام وزارة التربية الوطنية بالرباط يوم 23 ماي 2023، وهو نفس اليوم الذي نطق فيه قضاء الاستبداد البرجوازي بأحكامه في حق 20 مناضلا ومناضلة من تنسيقية المفروض عليهم- هن التعاقد. فالدولة تنتقم من كل من يعارض منظورها وسياستها بخصوص التعليم والوظيفة العموميين، وعلى رأسهما الجامعة الوطنية للتعليم- التوجه الديمقراطي وتنسيقية المفروض عليهم- هن التعاقد، في حين تعلي من شأن المتعاونين معها، وهو أمر شائع في القطاع الخاص، إذ تشجع تأسيس المكاتب النقابية الموالية لإدارة المقاولات، بل وحتى تستجيب لبعض مطالبها، من أجل فتح الباب في وجهها لكنس المكاتب النقابية المناضلة والمكافحة.

الواجب حاليا هو استخلاص دروس ما وقع. إن تفاوضا غير مسنود بضغط نضالي (إضرابات واحتجاجات وحدوية) لن ينجح في انتزاع أدنى المطالب. لا تلجأ الدولة إلى “الحوار” إلا حين تكون في موقف ضعف أمام ضغط نضالي، وقد رأينا هذا طيلة سنة 2019 حينما كانت شغيلة التعليم في أوج نضالها، ورأيناه أيضا في الحراكات الشعبية (وعلى رأسها حراك الريف المجيد) حين أرسلت الدولة وفودا حزبية وحكومية طالبة “الحوار”. واقع أن الدولة تلجأ إلى الحوار تحت ضغط النضال عبرت عنه تعبيرا موفقا تدوينة نُشرت بصفحة الجامعة على الفايسبوك تحت عنوان “لماذا سنعتصم يوم 23/05/2023 أمام الوزارة”، بقول: “التأهب النضالي والرد الاستباقي واليقظة التي ميزت الشغيلة خلال المرحلة التي كان فيها صوت الجامعة حاضرا في لقاءات الوزارة”.

لكن حتى والدولة تطلب “الحوار” فإنها تفعل ذلك وهي تتحين الفرصة لضرب حركات النضال، وبالتالي تخفيف ذلك الضغط الذي أجبرها على طلب “الحوار” ذاك. والدولة حين تجالس نقاباتنا على طاولة “الحوار” تشترط علينا الالتزام بـ”السلم الاجتماعي” لـ”تنقية أجواء التفاوض” كما تدعي. وقد تمكنت من ذلك بتوقيع قيادات نقاباتنا اتفاق 18 يناير 2022، ذاك الاتفاق الذي قيد يد نقاباتنا في قطاع التعليم ومنعها من الانخراط في نضالات تنسيقية المفروض عليهم- هن التقاعد. وحين لا ترى ضرورة للاستمرار في “الحوار”، فإنها تغلق بابه بمبرر أنها “لا تتحاور تحت الضغط”، كما فعل وزير التعليم سابقا سعيد أمزازي.

إن إقصاء جامعتنا الوطنية للتعليم من “الحوار” دليل على خفوت ذلك الضغط النضالي الذي أجبر الوزارة سابقا على طلب الحوار ذاك. وإن الاعتصام الذي نفذته جامعة FNE بداية طريق نحو استئناف الضغط النضالي الذي سيجبر الوزارة مرة أخرى على فتح باب التفاوض. الحل إذن هو ما كُتب في التدوينة المشار إليها أعلاه: التعبئة “لنضالات الشغيلة التعليمية ويحشد لها، لبناء ميزان قوى كفيل بتحصين حقوقها”.

وعلينا ألا نقف في حدود ذلك الاعتصام، بل الاستمرار في النضال وتقويته عبر توحيد الجهود النضالية لكل تنسيقيات ونقابات القطاع لمواجهة ما أطلق عليه بيان المجلس الوطني لجامعتنا بتاريخ 16 مايو 2023 “الهجوم الطبقي للحكومة الحالية التي تمعن في تنزيل اختياراتها الرأسمالية المتوحشة وتدميرها للقدرة الشرائية ومواصلة تفكيكها الممنهج والكلي للمرفق العمومي… إلخ”.

وقد عبرت جامعتنا على سعيها لهذا العمل الوحدوي أكثر من مرة، آخرها بيانها التنديدي بالأحكام الصادرة في حق مناضلي- ات تنسيقية المفروض عليهم- هن التعاقد، بدعوة التنسيقيات الوطنية ونقابات التعليم إلى لقاء تشاوري لتدارس سبل الرد الجماعي على استهداف الحريات العامة، وهي نفس الدعوة الصادرة عن المجلس الوطني لتنسيقية المقصيين- ات خارج السلم، وستكون البداية بالتحاقنا بالدعوة إلى المسيرة الاحتجاجية التي أعلنتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل يوم 4 يونيو 2023 بالدار البيضاء.

إن مشاركتنا في التفاوض (أي تفاوض) محكوم بالدفاع عن مطالب نساء ورجال التعليم، أما التعبير عن مواقفنا وتحريضنا ضد سياسة الدولة فلا علاقة له بمشاركتنا في التفاوض من عدمها، وهو ما عبرت عنه، بشكل موفق، عضوة اللجنة الإدارية حنان فاضل بقول: “هذا الإقصاء لن يثني الجامعة عن مواقفها المبدئية التي تعبر عنها دائما وبكل جرأة وبصوت عالِ منحاز لمصالح نساء ورجال التعليم”.

إن فضح ما تريد الوزارة تمريره ليس رهينا بالمشاركة في “الحوار”، فما تريده الوزارة معلوم للقاصي والداني، ومنشور في كل وثائقها ومراسيمها (من الميثاق مرورا بالخطة الاستراتيجية انتهاء بالقانون- الإطار). ما تحتاجه الشغيلة منا هو التحريض الميداني بما تُعده الوزارة، فهذه الأخيرة ليست بحاجة لآراء نقابة مناضلة. الوزارة (قسم من دولة البرجوازية) لا مجال للحديث معها عما تحدث عنه بيان المجلس الوطني لجامعتنا من “مأسسة حوار يكفل ثقافة الاختلاف ويضمن التعبير عن الرأي والمواقف من كل القضايا، وتعزيز الجدوى من الحوار المفضي إلى نتاج ملموسة”.

نحن لا نختلف مع الدولة/ الوزارة، ولا مجال للحديث عن ثقافة الاختلاف معها. الدولة جهاز أرباب العمل ومنفذة إملاءات المؤسسات الإمبريالية (كما يرد في بيانات جامعتنا). الدولة عدو طبقي للشغيلة كلهم، وضمنهم أجراء- ات قطاع التعليم. لذلك لا جدوى من انتظار “الجدوى من الحوار المفضي إلى “نتائج ملموسة” مع الدولة/ العدو الطبقي للشغيلة. إن النتائج الملموسة رهينة بما ورد في التدوينة أعلاه “ميزان قوى كفيل بتحصين الحقوق”.

حتى ما يُعتَبَرُ اتفاقات سابقة تطالب جامعتنا بتفعيلها وفي مقدمتها اتفاقي 19 و26 أبريل 2011 و18 يناير 2022، فهي اتفاقات إما اضطرت الدولة إلى توقيعها تحت ضغط نضالي (19 و26 أبريل 2011) وتتضمن فتاتا (الدرجة الجديدة) مقابل تمرير هجمات أقسى (المراجعة الشاملة للوظيفة العمومية، إصلاح منظومة الأجور، مراجعة منظومة التنقيط والتقييم…)[1]، أو اتفاق 18 يناير 2022 الذي قيد يد نقاباتنا بالالتزام بالسلم الاجتماعي والتحفظ عن مجريات أشغال اللجنة التقنية لإعداد النظام الأساسي الجديد.

وإن الإصرار على المطالبة بـ”مأسسة الحوار الاجتماعي” لن يؤدي إلا إلى إظهار ضعفنا أمام عدونا الطبقي/ الدولة، وفي نفس الوقت يكرس أوهام انتظار “النتائج الملموسة من الحوار” لدى الشغيلة، ما يجعلها أكثر سلبية وانتظارية واتكالية، ما يكبح نضاليتها، وبالتالي إمكان إحداث ميزان القوى الكفيل بتحصين حقوقها.

أما “التعبير عن الرأي والمواقف” فليس بدوره رهينا بـ”طاولة الحوار”، وما تقترحه الوزارة موجود في كل وثائقها مراسيمها وكل وثائق تفكيك الوظيفة العمومية، وهي متوفرة في كل بوابات الوزارات، ولسنا بحاجة كي نسمعها من الوزير مباشرة على طاولة “الحوار”، كي نبدي مواقفنا ورأينا حولها. بل إن الاتفاق المرحلي الناتج عن “حوار” قيد أيدي من وقعه ومنعه من التعبير عن ذلك، إذ تضمن ذلك الاتفاق عبارة “التزام الطرفين بالتحفظ تجاه مداولات اللجان الموضوعاتية، إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي”.

الفضاء الحقيقي للتعبير عن الرأي والمواقف هو إعلام عمالي طبقي ومناشير للتوزيع في أماكن العمل، بمضمون لا يخدع الشغيلة بأن “الحوار الجدي” يمكن أن يفضي إلى نتائج ملموسة. إعلام عمالي يستنهض الطاقات النضالية الجبارة الكامنة، ويسعى إلى كسر أسوار الصين العظيمة بين الشغيلة الموزعة أوصالها بين نقابات وتنسيقيات عديدة، وتمنع وحدتها تحت شعار “فخر الانتماء”.

لقد كان رفض جامعتنا التوقيع على محضر اتفاق 14 فبراير 2023 وفاء لمصالح الشغيلة وشرفا تقلدته الجامعة عكس قيادات النقابات الأربع التي لطخت أصابع نقاباتنا بالختم على أكبر تعدٍّ على حقوق أجراء- ات قطاع التعليم. ولكن العودة للمطالبة بـ “مأسسة حوار يكفل ثقافة الاختلاف ويضمن التعبير عن الرأي والمواقف من كل القضايا، وتعزيز الجدوى من الحوار المفضي إلى نتاج ملموسة”، يُعَدُّ خطوة تراجعية مقارنة بموقف رفض التوقيع على اتفاق 14 فبراير.

بعد رفض ذلك التوقيع كتبنا مقالا بعنوان مرحى: “الجامعة الوطنية للتعليم- FNE تنقذ شرف العمل النقابي، ما العمل لتجسيد رفضِ كارثة 14 يناير في خطة نضال ضد تخريب التعليم والتوظيف العُموميين؟”[2]، ضمناه مقترحات لا زلنا نراها آنية وصالحة لخلق ميزان القوى الكفيل بحفض حقوق نساء ورجال التعليم:

لن يستقيم رفض التوقيع على محضر الاتفاق دون الانسحاب النهائي من اللجنة التقنية لصياغة النظام الأساسي الجديد، فهذه هي التتمة المنطقية لرفض التوقيع ذاك. ولا تناقض بين الانسحاب ذاك حق جامعتنا في التفاوض من أجل حقوق الشغيلة. فاللجنة التقنية أُنشِئت لصياغة النظام الأساسي الذي سيؤطر الطور الجديد من الهجوم على جبهة قانون شغل أجراء- التعليم [النظام الأساسي لمهن التربية والتكوين].

علينا أن نبادر ونضرب الحديد ما دام حاميا. إن أي تأخر من شأنه أن يبدد الرفض القائم حاليا في صفوف الشغيلة وتنسيقياتها لذاك المحضر وما يُعده من دكاكة استغلال.

الفرصة سانحة لدعوة التنسيقيات التعليمية لعقد مجلس موسع لفتح النقاش في سبل النضال من أجل ملف مطلبي موحَّد أساسه الدفاع عن التوظيف القار ضمن خدمة عمومية جيدة ومجانية، والقطع مع سياسة التقشف المدمرة للقطاع.

علينا أن نبادر من أعلى، بدعوة المكتب الوطني لجامعتنا لتنسيق مع المكاتب الوطنية أو المجالس الوطنية للتنسيقيات الرافضة لمحضر الاتفاق، خصوصا وأن هذه الأخيرة في معمعان معركة مقاطعة تسليم ومسك النقط. وأيضا أن نبادر بعقد جموع عامة محلية مع التنسيقيات والفروع النقابية الأخرى حول هذا الأمر، خصوصا وأن البيان الوطني لتنسيقية المفروض عليهم التعاقد قد دعا صراحة لذلك بقول: “دعوتنا جميع المكاتب الإقليمية إلى عقد جموع عامة مستعجلة من أجل مناقشة آفاق المعركة النضالية”، وأيضا بيان المجلس الوطني للمقصيين- ات خارج السلم.

علينا تفادي التهجم على النقابات الموقعةِ قيادتُها على محضر الاتفاق، وبدل ذلك مخاطبة القواعد المناضلة الصادقة داخل تلك النقابات من أجل حفز ضغط داخلي، يجبر تلك القيادات على سلوك طريق النضال، أو يزيحها من مواقع السطوة على أدوات هذا النضال.

 

—–

[1]https://drive.google.com/file/d/1tBUP5mofmZibMvfflpo5gQAq_SZj_Q1z/view.

[2]https://www.almounadila.info/archives/11556.

شارك المقالة

اقرأ أيضا